في تقرير أصدرته منظّمة مراسلون بلا حدود سنة 2017، أفادت بأنّ مصر تحتل المرتبة 161 من مجموع 180 دولة، في حريّة الصحافة. يتزامن هذا والعديد من الممارسات التضييقيّة على قطاعي الإعلام والثقافة من خلال غلق فضاءات ثقافية خاصّة ومنع أعمال فنيّة من العرض، على غرار فيلم "آخر أيّام المدينة" للمخرج المصري تامر سعيد، والذي منع في دورة 2017 لمهرجان القاهرة السينمائي.
في مارس 2018، وقبل عشرة أيام من الانتخابات الرئاسية، تواصل الرقابة الفنيّة فرض إملاءاتها على الفن والفنّانين، من خلال منع عرض مسرحيّة "قبل الثورة" للمسرحي أحمد العطّار.
أحمد العطّار هو من بين روّاد المسرح المستقلّ في مصر، حيث أسّس فرقة "المعبد" بعد تخرّجه من الجامعة الأمريكيّة، قام من خلالها بإنتاج العديد من الأعمال المسرحيّة التي زارت أغلب العواصم الأوروبية خلال العشرين سنة الماضية.
يعرف أحمد العطّار بالتزامه الشديد ليس فقط بما يعيشه شعبه إنّما بقضيّة المسرح في حدّ ذاتها، حيث أسّس فضاء "عماد الدين" سنة 2005، فاتحا إيّاه لجميع الشبّان الحاملين لمشاريع مسرحيّة، نظرا لانعدام المسارح المستقلّة والمخصّصة للتدريب والعرض. يعرف مخرج "العشاء الأخير" أيضا بأنّه يقدّم مسرحا اجتماعيّا بامتياز، وقد أجاب حين سئل عمّا إذا كان سيقوم بإخراج مسرحيّة عن الثورة، "الثورة حدث عاطفي وفكري بدرجة كبيرة، لذلك يجب عدم التسرع في تناول أحداث الثورة فنياً، لأن ليس كل عمل فني يتناول الثورة سيكون جيداّ بالضرورة، فإذا نظرنا إلى الواقع العربي الآن، سنجد أنه يعيش في صراعات يومية، لذلك يجب أن تكون نظرتنا أبعد من اللحظة العابرة. أتصور أن الفنان بحاجة إلى أن يترك مسافة قصيرة بينه وبين الصراعات السياسية، ليكون قادراً على إعادة تقييم الوضع وإيجاد حلول جديدة، على المستويين، الفردي والجماعي". كان هذا منذ ثلاث سنوات، أمّا اليوم وبعد مرور سبعة سنوات على ثورة 25 يناير، يقدّم العطّار هذا العمل المنتظر بعنوان "قبل الثّورة".
لم ير هذا العمل النّور إلّا أمام لجنة الرّقابة التي وافقت على عرضه بشرط حذف خمسة مشاهد أساسيّة. مقترح أكثر بشاعة من منعها برمّتها، نظرا لكون المقاطع التي شرط حذفها هي أجزاء لا يمكن الاستغناء عنها من المسرحية التي سيختلّ نسقها الدراميّ وستفرغ من معناها في حالة موافقة العطّار على هذا الشرط.
كان من المفترض أن تعرض "قبل الثورة" بالأمس الأحد واليوم الاثنين 18 و19 مارس 2018، خلال مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة (دي-كاف)، لكن قرار الرقابة جعل فرقة المعبد و منظمو المهرجان يعلنون إلغاءها مقترحين بدورهم إعادة مشاهدة العرض من قبل لجنة ثانية.
« قبل الثورة" تصف ما كان يعيشه الشعب المصري في فترة قريبة من أحداث 25 يناير، لكنّها تزيل الستار أيضا عن إحباطات هذا الشعب من خلال التعرّض إلى مختلف أمنياته وانتظاراته التي ليست لها أيّة علاقة بواقع مصر اليوم.
أحمد العطّار، ليس الأوّل في مواجهة الرقابة الفنيّة وليس الأخير أيضا، لكنّه من بين الحاملين لمشروع فنيّ قائم الذات، سيواصل تأثيره رغم كلّ أشكال السلطة الزّائلة.

