الفنّ : أيّ جماليّة؟ لأيّ رسالة؟

الفنّ : أيّ جماليّة؟ لأيّ رسالة؟

Partager

 

في كلّ سنة، تعجّ المحافل الثقافية الكبرى في العالم العربي بنقاشات حادة تصل إلى حد الثلب، والمقاطعة وحملات التشويه والتنديد، لكلّ منها أسباب مختلفة، منها مسألة التطبيع أو المسائل ذات الطابع القومي بالأساس. يتم رفض مشاركة أعمال ما بسبب تصوير أجزاء منها في تل أبيب، أو حيازة أحدهم لجواز سفر إسرائيلي لكونه من عرب 48، أو اعتبار عمل ما بروباغاندا لنظام دكتاتوريّ كان أو حتى ديمقراطيّ، أو لأسباب أخلاقيّة، كمعالجة معضلة "الشذوذ" الجنسي وتبنّيها أو احتواء العمل على إيحاءات أو مشاهد جنسيّة إباحية. أو إذا كان في هذا العمل تعدّ واضح على توجّه دينيّ أو عقائديّ لمجموعة ما.

 

كل هذا يصب أخيرا في مياه واحدة، هي مياه المحظور بمحاوره الأوّلية والمتفق عليها وهي السياسة والجنس والدّين. نجد أنفسنا في هذه الحالة، وأمام تواتر هذه الأحداث بشكل يلفت النظر ويدعو للتفكير، نتساءل عن العديد من الأشياء، لتكون نقطة الاستفهام الأولى هي مجانيّة هذا الجدل من عدمها، وإذا كان لمثل هذه النقاشات دور حقيقيّ في تقدّم الأمور أو تغييرها.

 

سنتساءل أيضا عن المقاربة الأنجع، التي نطرح انطلاقا منها هذا النّقاش، والأكيد هو أنّنا سنغوص في محاولة فهم علاقة جدليّة، لكن بين ماذا وماذا؟ أو بين من ومن؟ هل هي بين المبدع ومجتمعه؟ بين الفن والسياسة؟ أم هي بين المستهلك للفن ونفسه، قدرته على استيعاب ماهو أمامه متجرّدا في ذلك من هواجسه الخاصّة، تمرين صعب، فهل يجب أن نكون دون هواجس ومعيش وبلا مقاربات وخلفيّات حتى نستطيع التعامل مع عمل إبداعيّ؟ أو أنّه قد آن الأوان لكي نسقط مفاهيم الكونية عن الفنّ ونتبنّى مقولة أنّه فعل ظرفيّ متعلّق بفترة تاريخية محدّدة وموجّه لمجموعة بشرية بعينها؟ هل تحتاج الإنسانيّة إذا إلى فنون بمثل هذه الانفعاليّة؟

 

نحن في النهاية أمام حتميّة كون كلّ هذه المقاربات متشعّبة بالضرورة رغم كلّ محاولات تجزئتها وتفكيكها، فإذا تعلّق الأمر بانطلاق كلّ من نفسه، سندخل في متاهة الفرد اللامتناهية من التناقضات، على عكس التوجه الإنسانيّ الذي يمثّل خيارا أسهل نظرا إلى كثرة المشترك فيه وكثافته. في حديثنا عن الإنسانيّ هنا، نحن نتكلّم عن الآخر، وهو في سياقنا، المبدع، الحلقة الأكبر في العلاقة والرقم الأصعب في معادلة التوازن بينه وبين المتقبّل، هذا لا يعني بأيّ شكل من الأشكال أنّ تفكيرنا ونظرتنا للأمور مرتبطة بما يقدّمه وفي علاقة تلازميّة به، لكنّها حتما ستضع نظرتنا للفنّ محلّ تنسيب فتقبّل. لذا، سنعود إلى طرح الأسئلة الأصح ربّما، وهي جدليّة العلاقة بين الفن كجماليّة والفن كرسالة، أيّهما الأهمّ وأيّ وصفة لنجاحهما معا؟ ماهو دور الفنّان الحقيقيّ؟ هل هو ملءُ أعيننا بالجمال وكفى؟ أم هو من يضعنا أمام حقيقة وواقع ببشاعتهما؟ هل هو الشخص الذي عليه إرضاؤنا؟ أم أنّه ذلك الذي يدفع بالإحراجات والتساؤلات فينا إلى أقصاها؟

 

الزمن : الماضي التاريخي والراهن الجمالي :

 

من الأكيد، أنّنا لا نقرأ عملا فنيّا اليوم، بنفس الطريقة التي قرأ بها في القرن التاسع العشر، حيث يمثّل الزّمن محدّدا هامّا في هذه المفارقة من خلال لعبه دور المسكّن للانفعالات الوقتيّة، وهو يشكّل، بفعل امتداده، أرضا خصبة للمراجعة والنقد وعقلنة الأمور. الزمن هنا، هو المسافة، أي المساحة التي تسمح لنا بإعادة التفكير. من شأن الزمن أيضا، أن يقتل آراء وتفاعلات خاصة بحقبة تاريخية ما، فلا يبقى من كل ذلك سوى الأثر الفنيّ الذي يعيد تقديم نفسه إلى أجيال جديدة وقد أزال الوقت عنه كل الأحكام والمحاكمات، فنكتشفه بمعزل عن كلّ ما حدث في القديم، ونقرأه مولودا جديدا، لا يحمل سوى ما يهمّ حاضرنا، بظروفه ومتطلبات العيش فيه. من منّا اليوم، قادر على إنكار ثورة أضرم نارها ماركيز دي ساد في القرن الثامن عشر بإجبار مجتمعه المكبّل آنذاك إلى الكنسية والغارق في عقليّته المحافظة، على مواجهة كتابته البورنوغرافيّة، الخارجة في ذلك عن المألوف من الرومنسية والتيولوجيّة، متحديّا العقول المعقولة عن التفكير. نحن الآن، نلتقي ساد كلّ يوم بين رفوف مكتباتنا، قارئين لتلك الوحشيّة بشكل مختلف ومتعاملين معها كوجوديّة سابقة لأوانها كما قالت سيمون دي بوفوار عنه، وكمساءلة للعالم اختلف شكل التعبير عنها وتجسيدها في قصص لم تنبع سوى من خيال عبقريّ.

 

لا تختلف تجربتنا مع ساد الذي خرق المحظور الجنسيّ، عن غيره من الكتّاب الذين اتّخذوا مواقف سياسيّة ودينيّة لم يكن لأحد أن ينتظرها ممّن عايشوهم، مواقف زجّت بهم في السّجون والمنافي دون أيّ اعتبارات فنيّة. ليس من الممكن اليوم إنقاذ لويس فيرديناند سيلين ممّا عاشه باعتبارنا إيّاه مرجعا أدبيّا ذي وقع مختلف، لكن باستطاعتنا وبكلّ أريحيّة، تجريده من تهم اللاساميّة ومناصرة الفكر النازيّ عند قراءة كتبه، لنجد وراء كل ما حام حوله من أحكام مسبقة، لغة مختلفة ليس فقط عما كان سائدا حينها وإنّما حتى عمّا نراه اليوم، ليكون سيلين، مرجعا أسلوبيّا هامّا في تاريخ الأدب، ومجدّدا ابتعد عن اللغة الرسميّة.

 

الفنّ -وإن كان التشبيه قاسيا- هو كالحرب، رديء وقميء في حاضره بدمويّته وبشاعته، لكنّه، كأيّ فعل "لاإنسانيّ"، هو تمرين حقيقيّ على الإنسانيّة، حيث لا تحصى الشعوب التي تحرّرت بعد تجربة الحرب. الفنّ، إذا كان خارجا عن المألوف، هو فعل مراكمة لن يقوم به سوى التاريخ، حيث ما من شأنه أن يكون خطأ في البداية، هو سبب قرار أصوب بعد حين.

 

لا تنتهي المسافة عند الزمن، لكنّ للحدود الجغرافيّة، وإن لم نكن مؤمنين بها، تأثير لا يُستهان به في فهمنا أو تقييمنا لبعض الأعمال الفنيّة، وفي تفكيك التساؤلات المطروحة منذ بداية المقال.

 

المسافة الجغرافيّة: أين نحن من القضايا البعيدة؟

 

كلّ ما تطرّقنا إليه، لا يعني بأيّ شكل من الأشكال أنّنا نقدّم موقفا مطلقا لا نقاش فيه، أو أنّنا قد حسمنا مسألة المفارقة الشائكة بين الجماليّ في الفنّ والرّسالة، هذا ما تؤكّده في راهننا كلّ يوم، النّزاعات القائمة حول العديد من المبدعين والأعمال الفنيّة، وربّما للبعد الجغرافيّ هنا، فعل كفعل الزّمن من شأنه أن ينسّب الأمور ويكثّف فرضيّات فهمها واستيعابها.

 

حين نتحدّث عن عمل فنيّ يسرد واقعا بعينه في بلد ما، حالة حرب أو حالة سلم لا يهم، فنحن دون أدنى شكّ أمام رؤية للأمور من منظوره الخاصّ، أو على الأقلّ من مكان لا يعرف تفاصيله غيره مع آخرين لا يحملون بالضرورة نفس رأيه. كيف لنا في هذه الحال أن نحدّد موقفا واضحا ممّا قام به؟ هل سنكتفي بتقييم العمل جماليّا، سنتبنى موقفه بجاهزيّته؟ أم سننتظر حتى نتمكّن من الإلمام بكلّ تفاصيل القصّة حتى نفهم؟

 

من الأكيد طبعا أنّه لم تعد هناك حدود جغرافيّة فعليّة، لكن فعل المسافة يخفّف بشكل كبير وطأة حدث ما، فنحن مهما كنّا متعاطفين أو عارفين، لن نشعر ما يشعره أصحابه، أولئك الذين يقع عليهم الفعل بشكل مباشر، كل هذا دون أن ندخل بعد في منطق الأطراف والحسابات السياسيّة محلية كانت أو إقليميّة. ليس المطلوب في هذه الحالة، هو التخلي عن مواقفنا الخاصة وان كانت ناتجة عن الإلمام بوقائع قضية ما، وبناء موقفنا عن إذا كان العمل الفنيّ جميلا أو لا، لكنّنا سننتهي إلى عمليّة أسلم، وهي الانفتاح على الآخر (المبدع) واستيعابه شكلا قبل المضمون، ما يمكن أن نسمّيه في مرحلة متقدّمة من الوعي، بإلغاء العاطفة أو تحييدها، ليس فقط لأنّ المنطق الانطباعيّ هذا غير جدير باعتماده في عملية النقد أو التحليل، لكنّ المسألة أكبر بكثير من ذلك، وهي عدم قدرتنا على وضع أنفسنا مكان الجميع.

 

لنفرض أنّنا أمام فيلم لا تشوب تقنياته الجماليّة أيّة شائبة، فيلم في غاية الجمال، تتمحور قصّته حول حياة صدّام حسين ويمجّده بشكل خياليّ، من سنكون أمام هذا الفيلم، هل سنكون ممّن يحبّونه وعاشوا في فترة حكمه حلم الدولة المصنّعة صاحبة الاقتصاد القويّ؟ أم سنكون أكرادا عاشوا معنى الإبادة الحقيقيّ؟ واذا كنّا أمام قطعة فنيّة سوفياتيّة، هل سنحمل موقف الاشتراكيّين ممّن آمنوا بالثورة البولشيفيّة، أم آلاف الناس من دول أوروبا الشرقية وغيرها ممّن انتموا قصرا للدولة السوفياتيّة ويعانون حدّ الآن الفقر والعجز الاقتصاديّ؟ ماذا لو لم نكن أحدا؟ أو ربّما الأصح، هو أنّنا لا يجب أن نكون أحدا سوى نحن، مستهلكين انتقائيّين واعين بما نحن أمامه، وهو خصوصيّة فنيّة تفتح أعيننا على الاحتمالات، تقفل باب الجهل أو المعرفة الدغمائيّة لأنّهما على حد السواء يكبّلان مخيّلاتنا.

 

نستنتج هنا، أن الفن، هو نقيض الامتلاء والاكتفاء، هو أرضيّة لا منتهية من الاحتمالات والفرضيات، وشباكنا الأول وربما الأخير الذي فتح أعيننا على عوالم شاسعة من الأفكار والتساؤلات.

 

من العاديّ أن نحكم على عمل رديء بالفراغ ولا نعود للتفكير فيه، لكن من السرياليّ أن نغلق أبواب الخيال أمام أثر جميل ومتناسق لمجرّد كونه لا يعكس مبادئنا وقناعاتنا. عندما نكون أمام أثر فنّي، فنحن بالضرورة أمام التمرين الأصعب في الحياة، وهو السؤال، وللننتهي إذا كان بإمكاننا تقديم أجوبة لكلّ شيء.


 

هل للفنّ قضيّة؟ أم أنّ الفنّ في حدّ ذاته قضيّة؟

 

أن لا حدود في الفنّ ! هي ليست نظرية نبتدعها الآن أو اليوم، هي قرارات اتخذها مئات المبدعين في مراحل كثيرة وحاسمة في تاريخ الفنّ، فقد كسر روّاد السرياليّة في قواعد الفن النمطية وتابعنا معهم أشكال التعبير المختلفة عن هذه القناعة التي وصلت إلي ترجمة ما يحلمون به ليلا في أفلام ورسومات ونصوص، ودفعت الحروب بالعبثيّين إلى التخلي عن إسناد المعنى والأفكار المتناسقة والجاهزة، هم كغيرهم من الانطباعيّن والدادائيّين والوجوديّين. مع كل هذه الحركات الفنيّة وغيرها، لم يعد السؤال هل يجب أن يكون للفن رسالة، بل تجاوز هذه النقطة إلى هل يجب أن يكون للعمل الفنيّ أو لفعل الخلق معنى؟ بهذا السؤال لسنا بصدد إسقاط صبغة عدميّة على نقاشنا إنّما لنعود دائما إلى الفكرة الأمّ وهي النسبيّة، وأنّ كلّ الآراء هي بالضرورة نتاج معرفة شخصيّة وبالتالي محدودة. كلّ هؤلاء الفنّانين الذين قدّموا لنا أعمالا مذهلة وخارجة عمّا يمكن لعقولنا استيعابه بخلق هذه الحركات الثورية في الفنّ، هم فنّانون اتّخذوا من الفن في حد ذاته قضيّتهم ولم يتّبعوا فكرة أن الفن هو عمل جاهز لا ينقصه سوى القضية التي يتبنّاها حتى يكتمل. لقد عاشت السينما تحت وطأة الكلاسيكيّين وإلزاماتهم إلى حدود خلق الموجة الجديدة التي قطعت مع القواعد المحدّدة للتصوير، فحرّرت هذا الفنّ من كلّ شكل إلزامي ومكبّل. تواصلت تجارب المجازفة إلى مساءلة الحدود الفنيّة في حدّ ذاتها، فقرّر روّاد الدوغما 95 إلى خلق حدود تقنيّة أكبر حتى يتحدوا قدرتهم على الخلق والإبداع.

 

نحن اليوم، لا نملك القدرة على محاكمة هذه الأعمال، ليس لعجزنا المعرفيّ، لكن لأنّ فعلها في تركيبة شخصياتنا فعل كبير ومهمّ. نحن لا نلوم اليوم فان غوغ لأنّ فنّه اقتصر على هواجسه الخاصة ولا ليو فيري لأنّه وصف العالم في أغانيه بشكل بذيء.

 

لم ندخل في موقف الفنان نفسه من كلّ هذا ولن نفعل ذلك، وإلّا سنغرق في دوّامة أخرى من الأسئلة التي لن تنقذنا من هذا الضياع. المريد في حالتنا هذه هو نحن أنفسنا، إلى أيّ مجال مستعدّين للتساؤل؟ وماهي حدود تحمّلنا للّاإجابة؟ ليس هذا التمرين الوحيد، لكنّنا أمام رهان أصعب، وهو فهم الأمور كلّ على حده متأكّدين أنّ الفعل الفنيّ في حدّ ذاته، بغضّ النظر عمّا يرويه أو عن قصديّته، هو ملاذنا الأخير في قلب البشاعة المفرطة التي تتجاوز حدود فهمنا أحيانا كثيرة.