أكد الباحث التونسي ناصف نكبي أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كايين بنورماندي الفرنسية في ندوة حول كتابه الجديد "السحر والاحتفاء بالرائحة: تقليد الروائح"، في قاعة الخلدونية التابعة للمكتبة الوطنية، في شهر أوت الفارط، أن العديد من العادات والتقاليد التونسية التي تتعلق بالروائح وطقوس الرائحة بصدد الاندثار وعلى الجميع التفطن إلى هذا الخطر باعتبار ذلك جزء من التراث اللامادي للتونسيين.
العطور جزء من الشخصية التونسية عبر التاريخ. بهذا التصريح بدأ ناصف نكبي في تحليل موقع العطور والروائح في الحياة اليومية للتونسيين بداية من الحضارات القديمة مثل الحضارة القبصية والحضارة الموريسكو-متوسطية ثم القرطاجيين والنوميديين والبربر والعرب والأتراك والفرنسيين وغيرهم من الشعوب والأجناس التي جاءت إلى تونس حاملة معها ثقافاتها العطرية.
بدأ شغف ناصف نكبي بالروائح في بداية ثمانينات القرن الماضي، عندما ذهب إلى منطقة قفصة كي يقوم ببحث حول السكان هناك، لكن نقطة اكتشافه لسؤال الروائح والبخور والعطور جاء في سياق خاص، حيث كانت الحرارة شديدة خارجا ولم يكن يستطيع الخروج إلا مساء أو ليلا، فكان يقضي اليوم كاملا في البيت، وعندها اكتشف عادات النساء في وضع البخور والاهتمام بالروائح بمختلف مصادرها: البخور، المطبخ، روائح القمح والشعير ومشتقات الحبوب المخزنة، روائح المخزنات الأخرى من مواد غذائية وغيرها. "كان اكتشافا لعالم كامل من خلال الصدفة"، هكذا قال المنكبي واصفا انجذابه للرائحة. ومنذ ذلك الحين بدأ شغف نكبي بالبحث في المسألة.
يقول الباحث إن طقوس وضع الروائح لدى التونسيين فيها طابع خاص. فأولا يمكن أن نلاحظ بسرعة أن وضع البخور في النار كي يخرج دخانه المعطر فيه نوع من الطقس، فوضع البخور تصاحبه تمتمات غالبا من تكون دينية أو طقسية، ثم إن وضع البخور في "كانون" صغير يكون متماشيا مع حركة دائرية غالبا ما تكون مطابقة لدوران الساعة.
العطور العادية التي توضع كل يوم كانت من اهتمام التونسيين منذ زمن بعيد، فقد أكد ناصف نكبي أن القرطاجيين اهتموا بالعطور وكانت بعض القنانين الزجاجية موجودة لتعليب العطر المقطر من الزهور بشكل مباشر في ذلك العهد. ثم إن التونسي حتى أيامنا هذه من الشعوب التي تهتم بالعطر وبنوعيته ونسبة الإقبال عليه تعتبر مرتفعة مقارنة بعدد السكان وكمية الاستهلاك.
أراد ناصف نكبي من خلال كتابه تعميق بعض الدراسات الأنتروبولوجية حول تونس وشمال أفريقيا بشكل عام، فقد ساهم في مزيد التعريف بعلم الإسمولوجيا وهو علم دراسة الروائح والطقوس من حولها، وقال نكبي إن أبحاثه الميدانية المتعلقة بالروائح خاصة مع النساء تؤكد أن الرائحة جزء من الهوية وهذه القاعدة تنسحب على التونسيين لأنهم شعب يهتم بالرائحة كثيرا.
ربط نكبي بين المناخ والموقع الجغرافي للتونسيين بمسألة تذوق الروائح، إذ يمكن المناخ التونسي من تحسس الروائح بشكل جيد على مستوى الجهاز التنفسي، فنوعية الهواء والأكسجين تعتبر جيدة لقرب تونس من البحر ولانفتاحها على تيار هوائي دائم قادم من مضيق صقلية. ثم إن هذا المناخ يجعل من الزهور دائمة النبات، كل فصل وزهوره، الأمر الذي جعل التونسيين قريبين من الورد والعطور وصناعتها وإتقان التفنن في استعمالها.
وسيقع تقديم كتاب "السحر والاحتفاء بالرائحة: تقليد الروائح" في معرض تونس الدولي للكتاب يوم الجمعة 31 مارس 2017.

