يمتد عرض آخر أعمال دريد سويسي الفوطوغرافيّة "محمد، سالم، عمران، حبيب، حسونة، علاء، فريد، حمزة، مهدي، أسامة، كمال" من 04 أفريل إلى 10 ماي 2017، في معرض عايشة قرجي بسيدي بوسعيد
لا تتوقّف الصّورة عند الصورة، لأنّ قيمة أثر فنيّ لا تكمن فقط في تقنيّات بنائه شكلا، إنّما نستمدّها أيضا من كلّ الأفكار المحيطة بها، تلك التي صاحبت الخطوات الأولى من العمل، وتلك التي تأخذنا إليها مشاهدته.
لذا، فإنّ علاقة دريد سويسي مع الفوطوغرافيا لا تنتهي عند الشكل الفني الذي ينتهجه، إنّما هي انعكاس لنظرته لواقع شعب بأسره، وتصوّر لفلسفة تحكم العالم.
أحاديّة الموضوع، ثنائيات الدّلالات
عندما نلقي نظرة أولى على صور دريد سويسي، يخيّل إلينا أنّه قد أخذ صورة عمّال ميتروبوليس ووضع كلّا منهم في إطار خاصّ به. رؤوس منحنية، نرى في أغلب الأحيان ظهورهم ولا ينظرون إلى شيء محدّد. تحتوي كلّ صورة على شخص واقف بمفرده في جوّ من العتمة الشديدة، بشكل يقنعنا أنّه ينتمي إلى هناك، ولا يمكن إخراجه بأّيّ شكل من ذلك السّواد.
ربّما إذا أردنا التوقّف أمام إحداها للتأمّل، سنفكّر في الوحدة قبل كلّ شيء، لما نراه من حزن وإن لم يكن مقصودا إبرازه. لكنّ الأكيد أنّ هذه الوحدة محفوفة حتما بأركسترا من التناقضات المحيطة بها على مستوى الشكل والمضمون.

في هذا المعرض وفي غيره من أعمال دريد السويسي، وهي ألبومات صور خصّصها للعديد من المدن التونسية، نلاحظ أنّه يضع دوما موضوعه في حجم صغير جدّا بالمقارنة مع بقيّة مكوّنات الصورة، إن كانت طبيعة أو فراغا. ثنائيّة تضع العالم محلّ استفهام، وتساؤل حول احتفائه بالإنسان كفرد، حتى غرق هذا الأخير في فردانيّته وانصهاره فيها. دريد، يعيد تشكيل الكلّ في كلّ صورة، ويرجع كلّ فرد إلى حجمه الطبيعيّ بالمقارنة مع المجموعة باختلافاتها.
لا تقوم صور دريد على تنوّع كبير على مستوى الموضوع الذي اختار تصويره، كما لو أنّ إرضاء الجميع ليس غايته، ولا حتّى تقديم نماذج عن مختلف فئات المجتمع، عمريّة كانت أو اجتماعيّة. بل إنّ هدف دريد، واضح جدّا بالنسبة إليه، لتنقسم الصور بين مسنّين وشبّان. هما ربّما صنفان يمكن الاكتفاء بهما لنطرح على أنفسنا سؤالين، ما الّذي حقّقه الأوّل؟ وكيف هو مستقبل الآخر؟ يختلفون عمرا وتجربة، لكن يجمعهم نفس المشهد، رؤوس محنيّة، يديرون ظهورهم لكلّ شيء، كما لو أنّ هذه الصور تحوم حول حلقة مفرغة من البؤس الاجتماعيّ، تميّز حالة الطبقة الوسطى التي يسلّط عليها دريد المجهر.
للجانب الروحانيّ، حيّز جماليّ كبير في هذا العمل، فبالإضافة الى ما تستدعيه الصور من تأمّل، نجد ثنائية العتمة والنّور التي لم تخرج عن أيّة صورة. يأخذ الأسود الحيّز الأكبر من الصورة، لكنّ الضوء يتسلّل بوجهة واضحة إلى رأس كلّ من شخصيّاتنا، كما لو كنّا إزاء حالة تجلّ غير مكتملة، حيث لا يرفع أحد رأسه ليمتلئ بالنّور. كما لو أنّ أصحابنا سجناء العتمة، لم يعد بإمكانهم فتح أعينهم أمام الشمس. صورة توحي ربّما بعلاقتنا مع الحريّة، نرنو إليها ولا نستوعب امتلاكها.

نصوّر ما نهرب منه لنواجهه
"لم نحتاج إلى هذه الصور بالذات؟ لأنّنا، بطريقة أو بأخرى، نتفادى النظر إليها"، هكذا كتب باقتضاب دريد سويسي عن هذا المعرض الذي واجه به نفسه قبل كلّ شيء، وقدّم لنا من خلاله دعوة لنتوقّف أمام صور نتفاداها إذا مرّت أمامنا في الواقع. هكذا استغلّ دريد نقطة قوّة الفوطوغرافيا كفنّ قتل اللحظة بامتياز وتخليدها، لنجد أنفسنا مرغمين على الصّمود أمام ما نهرب منه كلّ يوم، تلك التجاعيد الحزينة وذلك العنف المخلوط باليأس. فتكون هذه الصور تمرينا جديدا على المواجهة.
لسنا نحن فقط، الهاربين الوحيدين من هذه الشخصيات، إنّما هم أيضا هاربون منّا، من نظراتنا ربّما، لكنّ الأكيد أنّهم قد أداروا ظهورهم إلى وعود وخطابات لم تف بما قدّمته من أحلام. فنحن نراهم في وضع راحل أنهكه الانتظار واضمحلّ في داخله أمل أن يتغيّر شيء ما. هكذا، لا نجد أنفسنا أمام ضرورة تصوير الوجه لنتعرّف على دواخل أحدهم. يكفي أن نتبع دريد ونرى الأمور من زاوية نظره لنكتشف أبعادا أخرى لفهم النّاس.
رهان المواجهة عند دريد، لم يتوقّف عند الصّور، بل نجده في اختيار العنوان الذي يشكّل مجازفة استيتيقيّة وربّما تسويقيّة أيضا. فأن تسمّي المعرض بأسماء الأشخاص الذين قد قمت بتصويرهم، هو ضرب من المباشراتيّة المفرطة التي تشكّل محلّ جدال في عالم الفنّ. لكنّ ما نحن بصدده، بغضّ النظر عن مختلف الاعتبارات الجانبيّة، هو ردّ اعتبار لهؤلاء الذين لم يصنع منهم أحد نجوما. هو صورة لمن لا صورة لهم في مجتمعات تبحث عن جمال للاستهلاك وتهرب من جماليّة الأمور في حقيقتها.
"محمد، سالم، عمران، حبيب، حسونة، علا، فريد، حمزة، مهدي، أسامة، كمال"، هم انعكاس لواقع الكثيرين ممّن اختاروا الانزواء بعيدا عن الضوضاء وممّن استثنتهم الأضواء.


