لم تعد هناك نهاية للصباحات التي يستفيق فيها الأحياء على نقصان، لأنّ أحدا من ذويهم لم يستطع الاستفاقة معهم ككلّ صباح.
اليوم، مع علمنا برحيل صوفيا بركات، تخطر ببالنا فكرة واحدة، أنّ هذه الاستثناءات في عالم الإنسان وعالم الفن، تجتمع معا في مكان أكبر من الكون، مكان آخر لا نعلم عنه شيئا، عالم أجمل بكثير من أن تكون فيه أسباب للموت.
اختارت صوفيا الفوتوغرافيا بشكل طبيعي وعادي، دون أن تطلّب المسألة الكثير من التفكير، فعلت ذلك، كما لو أنّها خلقت من أجله. عاشت صوفيا تعاملاتها الأولى مع آلات التصوير الفوتوغرافي منذ طفولتها، حيث وجدت العديد منها في منزل جدّيها.
انطلقت الرحلة الفعلية مع الفوتوغرافيا خلال الدراسة في تونس ثمّ في فرنسا في نفس الاختصاص الذي فتح لها مجالات واسعة للتعرّف على فوتوغرافيّين عالميّين أثّروا في مسيرتها بشكل إيجابيّ.
منذ 2005، لم تتوقّف صوفيا عن التصوير، هذا الفعل الذي اعتبرته طريقة مختلفة لإدراك الهوية، لقد جالت العالم بآلة التصوير الخاصة بها، مستغلّة إيّاها في جانبيها الفنّي والتوثيقي، لتقوم أخيرا بتجسيد الجانبين الأساسيّين لهذا الفن، وهما الملاحظة والاختراق.
حقّقت صوفيا أكثر من 15 معرضا للصور الفوتوغرافيّة بين 2010 و2017، متابعة بكامراتها كلّ الأحداث التي جدّت في تونس مع بداية الثورة لتكون صاحبة أول كاميرا ترصد دخول اللاجئين الليبيّين إلى راس جدير، جالت العديد من دول إفريقيا لتصوّر معاناة النساء في الأماكن التي تشهد نزاعات سياسيّة، رحلة تؤكّد صوفيا أنّها تطلّبت منها الكثير من المشي على الأقدام في أماكن أشبه بأدغال وصحاري. لم تنته القصّة عند الحروب والأزمات، فقد اخترقت صوفيا حميمّيّة الرجال من خلال تصويرها لسلسلة "حمّام"، التي صوّرت من خلالها طقوس "الحمام" الرجالي في تونس.
ما ذكرناه، هو جزء صغير من أعمال صوفيا بركات التي منحت كلّ وقتها وحياتها للتصوير، لتبقى صورة مبتسمة في أذهاننا الصغيرة.

