في ذكرى ميلاد ماركيز دي ساد. مجرم أم وجوديّ؟

في ذكرى ميلاد ماركيز دي ساد. مجرم أم وجوديّ؟

Partager

 

 

هناك مواعيد تمرّ دون أي أثر، ومواعيد أخرى تحدث رجّة حيث وقعت. كذلك هو يوم  02 جوان لسنة 1740، يوم ميلاد ماركيز دي ساد Marquis de Sade، أحد أكثر الشّخصيّات مساءلة للعالم، وتأثيرا في تاريخ الأدب والفنّ، من خلال حياة تميّزت بالإجرام والعبقريّة، وأعمال لم تخل من الفجور والنّزعة الوجوديّة.

 

 خلال أحد المحاكمات التي خاضها ساد كمتّهم، قدّم القسّ الذي درّسه في طفولته شهادة قال فيها " يحمل ساد طبعا عاطفيّا يجعل منه شخصا راكضا خلف المتعة، لكنّه يملك قلبا طيّبا". يمثّل هذا الردّ، أحد المواقف الإيجابيّة النّادرة في حقّ ساد الذي أمضى أكثر من ثلث حياته بين السّجون ودور الأمراض العقليّة والمنافي جرّاء كتاباته وممارساته الجنسيّة الخارجة عن المقبول. لكن إذا غيّرنا هذه الجملة لنحيّنها ونجعل منها أكثر راهنيّة، سنقول، عاش ساد حياة إجراميّة، غير أنّه أثّر في عالم الأدب.

 

من الممكن أن نفهم هذه المفارقة الكبيرة بين شذوذه وإبداعه، إذا حاولنا تجسيدها في حياته وما بعد مماته، فهو من بين الأدباء الذين لن نفهمهم إذا قرأنا ما كتبوا بل تتجلّى لنا شخصيّتهم اذا بحثنا في ما كتب عنهم. رغم أنّه قوبل بالرّفض طوال حياته من خلال حبسه ومنع كتاباته باستثناء بعض الأعمال المسرحيّة، نجد ساد منذ بدايات القرن التّاسع عشر، في العديد من الكتب والدّراسات، ك"بطل" وكمفكّر سبق في نظرته للعالم العديد من النظريّات الفلسفيّة كالوجوديّة والعدميّة. فقد اعتبره الفيلسوف الانقليزي جوفري روجر كأحد روّاد الفكر الاشتراكي في كتابه "الأفكار الثوريّة لماركيز دي ساد"، حيث كتب بأنّ ساد لا يرى أنّ المعركة الحقيقيّة في المجتمع الفرنسي في القرن الثّامن عشر، معركة بين الملوكيّة والبورجوازيّة والأرسطقراطيّة وغيرها، إنّما هي معركة كلّ هؤلاء معا، ضدّ البروليتاريا.كما كتبت سيمون دي بوفوار في مقال بعنوان "هل يجب أن نحرق ساد؟" عن الطابع الوجوديّ الذي تحمله كتاباته والذي سبق نظريّة الوجوديّة بقرابة 150 عاما.

 

على أنّ ما تعرّض إليه ساد من عنف شديد وجلد في طفولته قد جعل منه ذلك المهووس بالتعذيب والمرتكب للعديد من الجرائم في حقّ أشخاص عدّة، فإنّ كتاباته لم تخل من الجانب الإيروتيقيّ الصّادق والعفويّ، فرغم ما حمله من عبء نفسيّ ثقيل جعل منه شاذّا جنسيّا، كان ساد من بين المبتكرين لفكرة "الثّورة الجنسيّة"، حيث اعتبره العديد من الباحثين أحد أسلاف فرويد لأنّه يشتغل على الجنسانيّة كمحرّك أساسي في البناء النفسيّ لشخصيّاته. كما اعتبره السّرياليّون أيضا قائدا لهم حيث قال Guillaume Apollinaire بأنّه أكثر العقول حريّة في الوجود.

 

لا تكمن هذه الحريّة في كتاباته أو في أسلوب حياته فقط، إنّما في فكره الذي يشكّل عالما لا متناهيا، لن تتعثّر خلال الغوص فيه بالواجبات الدينيّة أو الإملاءات المجتمعيّة. فخلال الحوار المتخيّل الذي كتبه تحت عنوان: "حوار بين راهب ورجل يحتضر"، يعلن ساد عن إلحاده  وتعارضه الشديد مع الكنيسة، كما جعل من بطلة أحد أهمّ كتاباته "جاستين Justine"، محلّ تعذيب و إهانة نظرا لفشلها في استيعاب فكرة أنّ الشرّ هو مصدر الفعل الإنساني، في تعارض تامّ مع معاصريه من روّاد عصر الأنوار في تلك الفترة.

 

ليس كلّ ما كتب ساد قد نشر، فقد حرق ابنه العديد من أعماله بعد وفاته سنة 1814.

"من أجل أن نصل إلى الفضيلة، يجب أن نعرّف أنفسنا في البداية على الشرّ"، هكذا هو ساد، ألهم العالم في كتابة الشرّ، كتابة الجنس وخاصّة كتابة الذّات. عاش حياة يجب أن نبتعد في ذكرها عن الأحكام الأخلاقيّة والرّواسب المجتمعيّة.